ابن تيمية
50
منهاج السنة النبوية
وَكَذَلِكَ الْعُقُوبَاتُ : مِنْهَا مَا لَا يُعَاقَبُ بِهِ ( 1 ) بِالِاتِّفَاقِ ، كَالْقَتْلِ عَلَى الْإِسْلَامِ ، فَإِنَّ الْمَجْنُونَ لَا يُقْتَلُ عَلَى الْإِسْلَامِ ، وَمِنْهَا مَا يُعَاقَبُ بِهِ ، كَدَفْعِ صِيَالِهِ ، وَمِنْهَا مَا قَدْ يُشْتَبَهُ . وَلَا نِزَاعَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ كَالصَّبِيِّ الْمُمَيَّزِ يُعَاقَبُ عَلَى الْفَاحِشَةِ تَعْزِيرًا بَلِيغًا ، وَكَذَلِكَ الْمَجْنُونُ يُضْرَبُ عَلَى مَا فَعَلَهُ ( 2 ) لِيَنْزَجِرَ ، لَكِنَّ الْعُقُوبَةَ ( 3 ) الَّتِي فِيهَا قَتْلٌ أَوْ قَطْعٌ هِيَ الَّتِي تَسْقُطُ عَنْ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ ، وَهَذَا إِنَّمَا عُلِمَ بِالشَّرْعِ ، وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ حَتَّى يُعَابَ مَنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْلَمَهَا . وَأَيْضًا فَكَثِيرٌ مِنَ الْمَجَانِينِ - أَوْ أَكْثَرُهُمْ - يَكُونُ لَهُ حَالُ إِفَاقَةٍ وَعَقْلٍ ، فَلَعَلَّ عُمَرَ ظَنَّ أَنَّهَا زَنَتْ فِي حَالِ عَقْلِهَا وَإِفَاقَتِهَا ، وَلَفْظُ " الْمَجْنُونِ " ( 4 ) يُقَالُ ( 5 ) عَلَى مَنْ بِهِ الْجُنُونُ الْمُطْبَقُ ( 6 ) ، وَالْجُنُونُ الْخَانِقُ ، وَلِهَذَا يُقَسِّمُ الْفُقَهَاءُ الْمَجْنُونَ إِلَى هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ ، وَالْجُنُونُ الْمُطْبَقُ قَلِيلٌ ، وَالْغَالِبُ هُوَ الْخَانِقُ . وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا ذَكَرَهُ مِنَ الْمَطَاعِنِ فِي عُمَرَ وَغَيْرِهِ يَرْجِعُ إِلَى شَيْئَيْنِ : إِمَّا نَقْصُ الْعِلْمِ ، وَإِمَّا نَقْصُ الدِّينِ ، وَنَحْنُ الْآنَ فِي ذِكْرِهِ ، فَمَا ذَكَرَهُ مِنْ مَنْعِ فَاطِمَةَ وَمُحَابَاتِهِ فِي الْقَسَمِ وَدَرْءِ الْحَدِّ ( 7 ) وَنَحْوُ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ
--> ( 1 ) ن ، م ، ي : مَا لَا يُؤَاخَذُ ، ر : مَا لَا يُؤَاخَذُ بِهِ . ( 2 ) فَعَلَهُ : كَذَا فِي ( ح ) ، ( ب ) ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ : فَعَلَ . ( 3 ) ح ، ب : الْعُقُوبَاتِ . ( 4 ) ن ، ي : الْجُنُونِ . ( 5 ) ن ، م : يُطْلَقُ . ( 6 ) ن ، م : الْمُطْلَقُ . ( 7 ) ح ، ب ، ي : الْحُدُودِ .